عاصي مصطفى أحمد؛ وثيقة على أنفلة عائلته في جينوسايد الأنفال

كان عاصي مصطفى أحمد، المولود عام 1952، فلاحاً من قرية زينانة التابعة لناحية سنكاو وقضاء جمجمال. وككثير من سكان قرى كوردستان، كان يعيش على الزراعة وتربية المواشي. وكان قد أنهى خدمته العسكرية سابقاً، وبعد عودته إلى قريته، عاش مع عائلته حياة بسيطة وفقيرة، منشغلاً بالعمل وتأمين قوتهم اليومي.
عندما اندلعت الحرب العراقية – الإيرانية، استُدعي عاصي مجددا بصفته جندياً احتياطياً، وفي عام 1982 أُرسل إلى صفوف الجيش العراقي. وفي إحدى هزائم الجيش العراقي على جبهة شوش من ایران، في 27 شباط/فبراير 1982، وقع عاصي في الأسر، وبقي أسيراً في إيران قرابة تسع سنوات.
بعد تلك السنوات الطويلة من الأسر، أُطلق سراحه ضمن عملية لتبادل الأسرى، فعاد إلى كوردستان. غير أن عودة عاصي لم تكن عودة عادية إلى البيت والعائلة؛ فعندما عاد وأراد الرجوع إلى منزله، أخذ يسأل الناس في المنطقة، وسرعان ما علم أن زوجته وأطفاله قد اعتُقلوا من قبل سلطة البعث خلال حملة جينوسايد الأنفال، وأن مصيرهم ما زال مجهولاً.
في البداية، وبصفته جندياً عراقياً، وأسير حرب عائداً، ذهب إلى الأجهزة الأمنية البعثية في جمجمال بحثاً عن زوجته وأطفاله. لكنه سرعان ما أدرك أن رجال البعث، كعادتهم، كانوا يماطلون ويكذبون ويتلاعبون به، من دون أن يقدموا له أي معلومة صادقة أو واضحة.
وفي محاولته الأخيرة، حمل عاصي شكوى ذات طابع استعطافي، وتوجه إلى بغداد، حيث وصل إلى ديوان رئاسة الجمهورية. كان يأمل أن يتمكن، من خلال صفته جندياً سابقاً في الجيش العراقي وأسير حرب عائد، من معرفة مصير زوجته وأطفاله. غير أن هذه الصفة أيضاً لم تستطع أن تلين قلب سلطة البعث.
إن هذه الأسماء ليست مجرد أرقام في قائمة الضحايا؛ بل هي هوية عائلة كاملة اقتُلعت من حياتها الطبيعية في إطار سياسة جينوسايد الأنفال. وما زال مصيرها حاضراً في الذاكرة التاريخية وملف العدالة حتى اليوم.
شكوى عاصي مصطفى أحمد إلى رئاسة الجمهورية
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الرئيس والقائد السيد صدام حسين، حفظه الله،
رئيس جمهورية العراق ورئيس مجلس قيادة الثورة المحترم.
الرفيق المناضل، أحييك، وأعرّف بنفسي إليك بصفتي مواطناً مخلصاً.
باسم العدالة، أتوسل إليك أن تسمع مشكلتي، فقد سُلب النوم من عينيّ ليلاً ونهاراً. وبما أنه لم يبقَ لي أي أمل، ولا أحد ألجأ إليه غيركم، فقد وضعت هذه المشكلة بين أيديكم، آملاً أن تولوا لها الاهتمام وتساعدوني.
أنا عاصي مصطفى أحمد، الموقّع أدناه، عدة في 24 آب/أغسطس 1990 بصفتي أسير حرب. أنا جندي من أبناء الوطن، من مواليد 1955، وأسكن في قرية زينانة التابعة لناحية سنكاو وقضاء جمجمال. شاركت في حرب قادسية صدام المجيدة على جبهة شوش، وفي 27 شباط/فبراير 1982 أسرة، وبقيت كذلك إلى يوم تبادل أسرى الحرب. وقد استمر أسري وانفصالي عن عائلتي مدة طويلة.
بعد عودتي إلى الوطن وترابه، قبّلت أمي الحبيبة، وانحنيت احتراماً أمام صورة قائدنا المنتصر، الرئيس صدام حسين. وفي قلبي كنت أشعر بشوق لا ينتهي للعودة إلى عائلتي، وكنت أتصور أنهم أيضاً سيفرحون برؤيتي، وأنني سأفرح بلقائهم، وأننا جميعاً سنمر بفرحة لا توصف.
غير أنني عدت إلى بيت خالٍ وموحش. لم تكن زوجتي وأطفالي هناك. آه، ما أفجع هذه الكارثة! وآه، ما أقسى تلك الصدمة حين قالوا لي إن زوجتي وأطفالي وقعوا بأيدي قوات الأنفال في أثناء عمليات الأنفال التي نُفذت في المنطقة الشمالية بقيادة الرفيق علي حسن المجيد. وأنا لا أعرف أي شيء عن مصيرهم. وأسماؤهم كالتالي:
أسماء الذين أطلب معرفة مصيرهم
أرجو مساعدتي على العثور على زوجتي وأطفالي وأفراد عائلتي:
- عظيمة علي أحمد، مواليد 1955، زوجتي.
- چرو عاصي مصطفى، مواليد 1979، ابنتي.
- فريدون عاصي مصطفى، مواليد 1981، ابني.
- رووخوش عاصي مصطفى، مواليد 1982، ابني.
وعليه، أضع هذه الشكوى بين أيديكم، آملاً أن ترحموني وتبلغوني بمصيرهم. أسأل الله أن يوفقكم ويحفظ قائدنا.
مع الشكر والاحترام.
التوقيع:
أسير حرب وجندي من أبناء الوطن
عاصي مصطفى أحمد
بلا بيت ولا مأوى، من سكان محافظة السليمانية،
قضاء جمجمال،
حي بيكەس، قرب جامع حاجي إبراهيم،
4 تشرين الأول/أكتوبر 1990

الرد الرسمي من ديوان رئاسة الجمهورية
بعد 25 يوماً من تقديم طلبه، وبعد انتظار مليء بالأمل والخوف والتردد، تلقى عاصي مصطفى أحمد رداً قصيراً جداً، بارداً وخالياً من أي شعور إنساني، من ديوان رئاسة الجمهورية. وقد أُرسل هذا الرد بتوقيع سعدون علوان مصلح، وسُجل في الكتاب المرقم ش.ع / ب / 4 / 16565 / 16.
يحمل هذا الرد أهمية تاريخية وقانونية خاصة، لأن سلطة البعث، في كتاب رسمي صادر عن ديوان رئاسة الجمهورية، أقرت بأن زوجة عاصي وأطفاله قد اختفوا أثناء عمليات الأنفال.
نص رد رئاسة الجمهورية
جمهورية العراق
ديوان الرئاسة
العدد: ش.ع / ب / 4 / 16565 / 16
التاريخ: 10 / ربيع الثاني / 1411 هـ
الموافق: 29 / 10 / 1990 م
إلى / السيد عاصي مصطفى أحمد
محافظة السليمانية / قضاء جمجمال
محلة / بيكەس / جامع حاجي إبراهيم
الموضوع / طلبك المؤرخ في 4 / 10 / 1990
نود إعلامك بأن زوجتك وأولادك فقدوا أثناء عمليات الأنفال التي جرت في المنطقة الشمالية عام 1988.
مع التقدير.
سعدون علوان مصلح
عن / مدير ديوان الرئاسة

عاصي مصطفى أحمد في محكمة جينوسايد الأنفال
أصبح عاصي مصطفى أحمد لاحقاً دليلاً حياً وقوياً في محكمة جينوسايد الأنفال، في مواجهة طاغية القرن العشرين صدام حسين وأعوانه. ففي 26 أيلول/سبتمبر 2006، حضر أمام محكمة الأنفال، وقدم بالتفصيل، وبالأدلة ومن خلال قصة حياته، رواية اختفاء زوجته وأطفاله خلال حملة الأنفال.
كانت شهادة عاصي ذات أهمية خاصة؛ فهو لم يكن مجرد فرد من عائلة الضحايا، بل كان أيضاً جندياً سابقاً في الجيش العراقي، وأسير حرب عائداً، واجه بعد تسع سنوات من الأسر الحقيقة المريرة بأن عائلته قد اختفت في أثناء الأنفال. ومن خلال شهادته الشخصية والوثيقة الرسمية الصادرة عن ديوان رئاسة الجمهورية، عرض أمام المحكمة صورة جريمة منظمة، موجهة من قبل الدولة، ومقصودة.
توفي عاصي مصطفى أحمد في 7 أيار/مايو 2022. غير أن قصته وشهادته، والوثيقة الرسمية التي أُرسلت إليه من ديوان رئاسة الجمهورية، ما تزال دليلاً مهماً في ملف جينوسايد الأنفال، واختفاء العائلات الكوردية، وسياسة المحو الاجتماعي والقومي، ضمن الذاكرة الوطنية الكوردية وتاريخ العدالة.



Leave feedback about this